آخر التعليقات
الأربعاء، 10 أبريل 2013
اعرف نبيك (أربعون عاما قبل النبوة)
الحمد لله رب العالمين , وصلى الله وسلم على الهادى البشير , وعلى آله وصحبه أجمعين ..
فالسيرة العطرة , سيرة خير البرية , معين لا ينضب , وينبوع صاف متدفق , يرتوى من نميره كل من أراد السلامة والنجاة ,
انها شمس ساطعة , وسنا مشرق , ومشعل وضاء , يبدد ظلماء الانحراف , ويهدى سبيل الرشاد .
سأكتب عن أربعين عاما من حياة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه .
أربعون عما كلها صفاء ونقاء .
أربعون عاما تكلمت فيها الفطرة , وتعجلت فبها الصفات الحميدة , وظهرت فيها العناية الربانية , فى اعداد سيد البرية .
أربعون عاما فيها أفراح وأتراح , وآمال وآلام ( وكان الله عليما حكيما ) .
ابتدأت الأربعين بــ :
(1) ولادة يتية !!
توفى الوالد قبل الولادة , بعد سعى فى طلب لقمة العيش , ليكون على موعد مع القدر فى أرض يثرب , مقبورا فى أحد مقابرها !!
وأودع الوالد والزوج الثرى , لتعانى الولدة الحنون آلام الوضع , وآلام الفقد , وآلام مستقبل طفل تيتم قبل خروجه للدنيا !!
وتأتى ساعة الصفر وتستبشر الدنيا بــ :
(2) ولادة محمد - صلى الله عليه وسلم :-
فيولد سيد المرسلين بشعب بنى هاشم , فى صحبية يوم الاثنين التاسع من شهر ربيع الأول , لأول عام من حادثة الفيل , وقبل هجرته عليه الصلاة والسلام بثلاث وخمسين سنة , ويوافق ذلك العشرين أو الثانى والعشرين من شهر ابريل سنة ( 571 م ) , حسبما ذكره بعض المحققين .
وفى مكان آخر بعيدا عن ذلك البيت الصغير الذى ولد به ذلك العظيم :
وقف رجل يتأمل السماء والنجوم , فاذا الأمر مختلف عن العادة , فالآية قد ظهرت !!
فما كان منه الا أن صرخ بقومه :
" يا معشر اليهود !!! "
فاجتمعوا اليه فقال : " طلع نجم أمد الذى ولد به فى هذه الليلة " .
نعم ..لقد ولد أحمد , وها هو بين أحضان أمه ترضعه وتشاركها فى ذلك : أم أيمن , وثوبية مولاة أبى لهب .
وتمر الأيام .... واذا بالرضيع فى :
(3) ديار بنى سعد :
فانتقل مع أمه حليمة السعيدية لترضعه فى مضارب بنى سعد بن بكر , على عادة العرب فى التماس المراضع لأولادهم , لتقوى أجسامهم , ويتقنوا اللسان العربى من صغرهم .
وفى تلك المضارب نشأ محمد الصغير ..
وبها وقف ومشى على قدميه ..
وبها ضحك ولعب مع أقرانه الصغار ..
فأى براءة وجمال كانت تشع من عينى ذلك الطفل الطاهر !!
فصلوات ربى وسلامه عليه .
وفى تلك المضارب رعى الغنم , وسار خلفعا وقادها مع اخوانه من الرضاع .
وتمر الأيام على رعاة الغنم الصغار , ويبلغ الصغير أربع سنين , وبينما هو يلعب مع الغلمان , اذ بنداء الرعب والخوف : " لقد قتل محمد !!! " .
فكان ذلك القتل هو :
(4) شق الصدر :
لقد أضجعه الرجلان , ثم أخرجا منه علقة سوداء فألقياها , فانتهت حظوظ الشيطان منه , ثم غسلا قلبه فى طست من ذهب بماء زمزم , ثم أعادا قلبه الى مكانه , فجاء الصغير الى القوم وهو منتقع اللون .يقول أنس رضى الله عنه :(وقد كنت أرى أثر ذلك المخيط فى صدره) .
فلما رأت حلية ذلك : خافت على الصغير من أن يصيبه شىء , فاتخذت قرارا بــ :
(5) رده الى أمه الحنون :
فرجع الصغير الى أحضان أمه ترعاه وتحنو عليه , فكان عندها حتى بلغ ست سنين ,
لتتحرك عاطفة آمنة وشوقها الى حيث توفى الزوج ويقطن الأهل , فعزمت على السفر الى يثرب , فتحركت المطايا , ومكثت شهرا فى يثرب , ليحين بعد ذلك وقت الرجوع , وفى طريق السفر بين يثرب ومكة : توقفت المطايا فى مكان يحمل فى حياته ذكرى لا تزال عالقة فى بذاكرة الحبيب حتى بعد النبوة , فمر يوما على قبر فانتهى اليه وجلس , وجلس الناس حوله , فجعل يحرك رأسه
كالمخاطب _ كما يروى ذلك بريدة رضى الله عنه _ ثم بكى بكاء لم يبكه من قبل ,
فاستقبله عمر فقال :
يا رسول الله ما يبكيك ؟
فقال : ( هذا قبر آمنة بنت وهب ) !!
لقد توقفت المطايا فى مكان يقال له الأبواء , ليكون الصغير على موعد جديد مع اليتم , وتؤخذ آمنة منه , وتوارى بين ناظريه , لينتقل الطفل باكيا الى :
(6) جده عبدالمطلب :
عاد صغير الآلام الى الجد العطوف , الذى رق له رقة شديدة , فكان لا يدعه وحيدا , بل جعله مقدما على أولاده وبنيه .
ان لعبد المطلب فراشا لا يجلس عليه غيره اجلالا له واحتراما , فكان محمد الصغير هو الوحيد المصرح له بالجلوس , فيأتى الأولاد والأبناء ليبعده , فيقول الجد :
" دعوه , والله ان لهذا شأنا " !!!
وتمر الأيام ويبلغ الصغير ثمان سنين , ليكون على موعد جديد مع الآلام , فها هو عبد المطلب يوارى الثرى , لتكون وصيته الأخيرة , أن يكون عند :
(7) عمه أبا طالب :
فنهض باليتيم على أكمل وجه , وضمه الىبنيه وقدمه عليهم , واختصه بمزيد احترام وتقدير .
وتمر الايام ... وياتى على قريش سنون عجاف , أجدبت لها الأرض , وكاد يهلك بها القوم , فبات الناس فى شظف من العيش , فما كان من قريش الا أن طلبوا من سيدهم أبا طالب أن يستسقى لهم , فكان :
(8) أبيض يستسقى الغمام بوجهه :
خرج أبو طالب يستسقى , والسماء ما فيها من فزعة !! ومعه الغلام الصغير _ صلى الله عليه وسلم _ وبنيه , فأخذ أبو طالب الغلام اليتيم الغير - وهو يتذكر كلمات عبد المطلب : ( والله ان لهذا شأنا ) !! _ فألصق ظهره بالكبة واستسقى .
فأقبل السحاب من كل جانب , وانفجرت السماء بماء منهمر , فقال أبو طالب :
وأبيض يستسقى الغمام --- ثمال اليتامى عصمة لأرامل
وتمر الأيام ... ويبلغ النبى الكريم اثنتى عشرة سنة , وفى صيف حار تحركت
ركائب قريش نحو الشام , فكانت قصة :
(9) بحيرى الراهب :
فارتحل أبو طالب بقومه ومعه محمد _ صلى الله عليه وسلم _ و فلما وصلوا الى بصرى نزل القوم للراحة , فخرج اليهم بحيرى ولم تكلن من عادته الخروج اليهم , فتخللهم حتى جاء الى الفتى الصغير وأخذ بيده وقال :
هذا سيد العالمين !! هذا رسول رب العالمين !! هذا يبعثه الله رحمة للعالمين !! .
فقال أبو طالب وأشياخ قريش : وما علمك بذلك ؟
فقال : انكم حين أشرفتم من العقبة لم يبق حجر ولا شجر الا خر ساجدا , ولا يسجدان الا لنبى , وانى أعرفه بخاتم النبوة أسف من غضروف كتفه مثل التفاحة , وانا نجده فى كتبنا " .
ثم سأل أبا طالب ألا يذهب به الى الشام خوفا عليه من الروم واليهود , رده أبو طالب بغلمان معه الى مكة .
وتمر الأيام ... وقد شب النبى الكريم , ولم يكن له عمل معين فى أول شبابه .
ولكن جاءت الروايات وتوالت بأن مهنته كانت :
(10) رعى الغنم :
لقد كان يسير طوال نهاره خلف الغنم , فرعاها فى بنى سعد ابتداء , ثم فى مكة على قراريط لأهلها .
ان مهنة كهذه يشترط لها أمانة مع طول نفس , ولذا : ( ما من نبى الا وقد رعى الغنم ) , ولعل ذلك _ والله أعلم :- لأن صورة القطيع شبيهة بسير سواد الأمم , ذلك حماية وحراسة لما قد يعترض قافلة السير .
وهذه المهنة فيها من قسوة ومتابعة , الا أنها تثمر قلبا عطوفا رقيقا , وواقع حال رعاة الغنم خير شاهد على ذلك .
وبعيدا عن العمل وهمومه , وبعيدا عن كدح البحث عن لقمة العيش نقف مع :
(11) نوازع نفس محمد صلى الله عليه وسلم :
يحدثنا النبى الكريم عن نفسه فى تلك الفترة فيقول :
(ما هممت بشىء مما كان أهل الجاهلينة يهمون به من النساء , الا ليلتين , كلتاهما عصمنى الله تعالى منهما , قلت ليلة لبعض فتيان مكة _ ونحن فى رعاية غنم أهلنا _ فقلت لصاحبى : أبصر لى غنمى حتى أدخل مكة , فأسمر فيها كما يسمر الفتيان .
فقال : بلى .
فدخلت حتى اذا جئت أول دار من دور مكة سمعت عزفا بالغرابيل والمزامير .
فقلت :
ما هذا ؟ فقيل : تزوج فلان فلانة . فجلست أنظر , وضرب الله على أذنى , فوالله ما أيقظنى الا مس الشمس . فرجعت الى صاحبى , فقال : ماذا فعلت ؟ قلت : لا شىء
ثم أخبرته بالخبر , فوالله ما هممت ولا عدت بعدها لشىء , حتى أكرمنى الله بنبوته ) .
انها الرعاية الربانية , تقف للحيلولة بينه وبين النوازع , ولذلك جاء فى الأثر :
( أدبنى ربى فأحسن تأديبى ) .
وتمر الأيام ... ليبلغ النبى الكريم عشرون عاما , ليشهد حربا وقعت فى شهر حرام , فتسمى بــ :
(12) حرب الفجار :
وقعت تلك الحرب سوق عكاظ بين قريش ومعهم كنانة وبين قيس عيلان , فاصطف القوم ووقعت حرب ضروس , وكان النبى الكريم يجهز النيل للرمى , وكثر القتل فى الظرفين , حتى رأى عقلان القوم أن وضع أزوار الحرب والاصطلاح خير من الملحمة , فهدموا ما بينهم من العداوة والشر , وعلى أثر ذلك حصل :
(13)حلف الفضول :
انه حلف الخير والعدالة , تداعت اليه قبائل من قريش فى ذى العقدة , وكان اجتماعهم فى دار عبد الله بن جدعان التيمى , فتعاهدوا على ألا يجدوا بمكة مظلوما من أهلها وغيرهم من سائر الناس الا قامو معه , وشهد هذا الحلف النى الكريم _ صلى الله عليه وسلم _ , وقال عنه بعد أن أكرمه الله بالنبوة : ( لقد شهدت فى دار عبد الله بن جدعان حلفا ما أحب أن لى به حمر النعم , ولو أدعى به فى الاسلام لأجبت ) .
ولا عجب فى ذلك , فهو نبى العدالة والحرمة ..
وتمضى الأيام ... ويبلغ النبى الكريم الخامسة والعشرين من عمره , ليخرج الى :
(14) تجارة الشام :
وذلك فى مال لخديجة بنت خويلد , بعد أن سمعت بأخبار الصادق الأمين صلى الله عليه وسلم , وجعلت معه غلام لها يقال له : ميسرة .
ذهب النبى الكريم الى الشام , فما لبث أن رجع الى مكة , فرأت خديجة فى مالها من الأمانة والبركة ما لم تره من قبل , وحدثها ميسرة بما رآه من حال الصادق الأمين فما كان منها الا أن سمعت ليكون الخبر فى أرجاء مكة :
(15) محمد _ صلى الله عليه وسلم _ زوج لخديجة _ رضى الله عنها _ !!
وذلك بعد أن تقدم لها سادات قريش , فكان الاباء عليهم هو الجواب .
ثم لما رأت ما رأت بعد تلك التجارة المباركة : عزمت على نية أفصحتها
لصديقتها : نفيسة بنت منبه . فقامت بدورها بذكر ذلك للنبى صلى الله عليه وسلم .
فرضى بذلك, الا أن والد خديجة حاول عبثا الوقوف أمام هذا الزواج الميمون ,الا أن
حيلة خديجة كانت حكما قاضيا فى الموضوع و فما الذى فعلته خديجة ؟
يروى لنا ابن عباس رضى الله عنهما ذلك فيقول :
" ان رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر خديجة _ وكان أبوها يرغب عن أن يزوجه
فصنعت طعاما وشرابا , فدعت أبوها وزمرا من قريش , فطمعوا وشربوا حتى ثملوا .
فقالت خديجة لأبيها : ان محمدا بن عبد الله يخطبنى فزوجنى اياه . فزوجها اياه .
فخلقته والبسته حلة_ وكذلك كانوا يفعلون بالآباء _ , فلما سرى عنه سكره , نظر فاذا مخلق وعليه حلة , فقال : ما شأنى بهذا ؟ قالت خديجة : زوجتنى محمد بن عبد الله .
قال : أزوج يتيم أبى طالب !؟ لا لعمرى .
فقالت : أما تستحى ؟! تريد أن تسفه نفسك عند قريش , تخبر الناس أنك كنت سكران !! فلم نزل به رضى " .
ويتزوج الشريف الشريفة , وتمر الأيام والأعوام على ذلك البيت الهادىء الجميل ,
ويرزق منها بالبنين , والنبى الكريم يكرم الضيف , ويعين الملهوف , وينصر المظلوم, ويكون فى حاجة أهله ..
ويجرف مكة سيل عرم وينحدر الى البيت فيصدع جدرانه حتى أوشك على الوقوع والانهيار , فاتفقت قبائل قريش على :
(16) اعادة بناء الكعبة :
وتبنى قريش الكعبة بشرط مسبوق : " ألا يدخل فى بنائها الا طيبا , فلا يدخل فيها مهر بغى , ولا بيع ربا , ولا مظلمة لأحد من الناس " .
ويشارك النبى الكريم صاحب الخمس وثلاثين عاما فى البناء , ويحمل الحجارة من الوادى مشاركا قومه فى مثل هذا الحدث العظيم .
ويرتفع البناء ويعود للبيت جلاله وهيبته , ولما بلغ البنيان موضع الحجر الأسود حصل الاختلاف , وتنازع القوم فى شرف وضع الحجر الأسود أربع ليال أو خمس حتى كادت الحال أن تتحول الى حرب ضروس !! الا أن أبا أمية بن المغيرة المخزومى عرض عليهم أن يحكموا فيما شجر بينهم أول داخل عليهم من باب المسجد .فارتضى القوم ذلك .
فاذا بمحمد بن عبد الله بن المطلب يكون ذلك الداخل .فهتف القوم : أن رضينا بالأمين .
فطلب عليه الصلاة والسلام رداء فوضع الحجر وسطه , وطلب من رؤساء القبائل المتنازعين أن يمسكوا جميعا بأطراف ذلك الرداء , وأمرهم أن يرفعوه , حتى اذا أوصلوه الى موضعه أخده بيده فوضعه فى مكانه . فرضى القوم بذلك , وانتهى نزاع كادت دمائه أن تصل الى الركب !!
وتمر الأيام ... وغربة النبى تزداد يوما بعد يوم , فوجوه يعرفها وأحوال ينكرها , كان ذا صمت طويل يزدان بالتأمل والنظر , لقد كانت تلك الفطرة التى جبل عليها تمنعه من أن ينحى لصنم , أو يهاب وثن .
فاعتزل القوم لما رأى من سفاهة أحلامها , وتفاهة عقولهم , فكان عليه الصلاة والسلام لا يحضر عيدا لوثن , ولا يشهد احتفالا عند صنم , ولا يحلف بالآيات ,
ولا يتقرب لعزى , ولا يشرب خمرا , ولا يأكل مذبوحا على نصب , فأبغض ذلك كله .
يقول مولاه زيد بن حارثة رضى الله عنه :
" ... فوالذى أكرمه وأنزل عليه الكتاب ما استلم صنما حتى أكرمه الله بالذى أكرمه وأنزل عليه " .
فكان عيه الصلاة والسلام موحدا على ملة ابراهيم الخليل عليه السلام .
لقد جمع الصادق الأمين من الأوصاف والشمائل ما جعلت محبته لا تقف عند البشر , بل تتعداه الى الحجر والشجر , يقول عليه الصلاة والسلام بعد أن أكرمه الله بالرسالة : ( انى لأعرف حجرا بمكة كان يسلم على قبل أن أبعث ) !! .
فصلوات ربى وسلامه عليه .
وتمر الأيام ... حتى بدأ طور جديد من حياته صلى الله عليه وسلم , فكان يرى الرؤية ثم لا يلبث حتى يراها واقعا مشهودا أمامه , فكان ذلك بداية بشرى النبوة والرسالة والاصطفاء , لتكون البداية الحقيقة فى الغار بــ
{ أقرأ باسم ربك الذى خلق } , وينادى المنادى فى أصقاع المعمورة : ان محمدا
قد بعث !!
فاذا عقارب السنين والأعوام قد دقت الأربعين !!
فصلوات ربى وسلامه عليه ...
تلك الأربعون _ لعمر الحق :- عراقة الخلال , فكيف بما بعد الأربعين , حين
بعث الى العالمين!!
{ وانك لعلى خلق عظيم } ..
صلوا عليه وسلموا تسليما
فارتحل أبو طالب بقومه ومعه محمد _ صلى الله عليه وسلم _ و فلما وصلوا الى بصرى نزل القوم للراحة , فخرج اليهم بحيرى ولم تكلن من عادته الخروج اليهم , فتخللهم حتى جاء الى الفتى الصغير وأخذ بيده وقال :
هذا سيد العالمين !! هذا رسول رب العالمين !! هذا يبعثه الله رحمة للعالمين !! .
فقال أبو طالب وأشياخ قريش : وما علمك بذلك ؟
فقال : انكم حين أشرفتم من العقبة لم يبق حجر ولا شجر الا خر ساجدا , ولا يسجدان الا لنبى , وانى أعرفه بخاتم النبوة أسف من غضروف كتفه مثل التفاحة , وانا نجده فى كتبنا " .
ثم سأل أبا طالب ألا يذهب به الى الشام خوفا عليه من الروم واليهود , رده أبو طالب بغلمان معه الى مكة .
وتمر الأيام ... وقد شب النبى الكريم , ولم يكن له عمل معين فى أول شبابه .
ولكن جاءت الروايات وتوالت بأن مهنته كانت :
(10) رعى الغنم :
لقد كان يسير طوال نهاره خلف الغنم , فرعاها فى بنى سعد ابتداء , ثم فى مكة على قراريط لأهلها .
ان مهنة كهذه يشترط لها أمانة مع طول نفس , ولذا : ( ما من نبى الا وقد رعى الغنم ) , ولعل ذلك _ والله أعلم :- لأن صورة القطيع شبيهة بسير سواد الأمم , ذلك حماية وحراسة لما قد يعترض قافلة السير .
وهذه المهنة فيها من قسوة ومتابعة , الا أنها تثمر قلبا عطوفا رقيقا , وواقع حال رعاة الغنم خير شاهد على ذلك .
وبعيدا عن العمل وهمومه , وبعيدا عن كدح البحث عن لقمة العيش نقف مع :
(11) نوازع نفس محمد صلى الله عليه وسلم :
يحدثنا النبى الكريم عن نفسه فى تلك الفترة فيقول :
(ما هممت بشىء مما كان أهل الجاهلينة يهمون به من النساء , الا ليلتين , كلتاهما عصمنى الله تعالى منهما , قلت ليلة لبعض فتيان مكة _ ونحن فى رعاية غنم أهلنا _ فقلت لصاحبى : أبصر لى غنمى حتى أدخل مكة , فأسمر فيها كما يسمر الفتيان .
فقال : بلى .
فدخلت حتى اذا جئت أول دار من دور مكة سمعت عزفا بالغرابيل والمزامير .
فقلت :
ما هذا ؟ فقيل : تزوج فلان فلانة . فجلست أنظر , وضرب الله على أذنى , فوالله ما أيقظنى الا مس الشمس . فرجعت الى صاحبى , فقال : ماذا فعلت ؟ قلت : لا شىء
ثم أخبرته بالخبر , فوالله ما هممت ولا عدت بعدها لشىء , حتى أكرمنى الله بنبوته ) .
انها الرعاية الربانية , تقف للحيلولة بينه وبين النوازع , ولذلك جاء فى الأثر :
( أدبنى ربى فأحسن تأديبى ) .
وتمر الأيام ... ليبلغ النبى الكريم عشرون عاما , ليشهد حربا وقعت فى شهر حرام , فتسمى بــ :
(12) حرب الفجار :
وقعت تلك الحرب سوق عكاظ بين قريش ومعهم كنانة وبين قيس عيلان , فاصطف القوم ووقعت حرب ضروس , وكان النبى الكريم يجهز النيل للرمى , وكثر القتل فى الظرفين , حتى رأى عقلان القوم أن وضع أزوار الحرب والاصطلاح خير من الملحمة , فهدموا ما بينهم من العداوة والشر , وعلى أثر ذلك حصل :
(13)حلف الفضول :
انه حلف الخير والعدالة , تداعت اليه قبائل من قريش فى ذى العقدة , وكان اجتماعهم فى دار عبد الله بن جدعان التيمى , فتعاهدوا على ألا يجدوا بمكة مظلوما من أهلها وغيرهم من سائر الناس الا قامو معه , وشهد هذا الحلف النى الكريم _ صلى الله عليه وسلم _ , وقال عنه بعد أن أكرمه الله بالنبوة : ( لقد شهدت فى دار عبد الله بن جدعان حلفا ما أحب أن لى به حمر النعم , ولو أدعى به فى الاسلام لأجبت ) .
ولا عجب فى ذلك , فهو نبى العدالة والحرمة ..
وتمضى الأيام ... ويبلغ النبى الكريم الخامسة والعشرين من عمره , ليخرج الى :
(14) تجارة الشام :
وذلك فى مال لخديجة بنت خويلد , بعد أن سمعت بأخبار الصادق الأمين صلى الله عليه وسلم , وجعلت معه غلام لها يقال له : ميسرة .
ذهب النبى الكريم الى الشام , فما لبث أن رجع الى مكة , فرأت خديجة فى مالها من الأمانة والبركة ما لم تره من قبل , وحدثها ميسرة بما رآه من حال الصادق الأمين فما كان منها الا أن سمعت ليكون الخبر فى أرجاء مكة :
(15) محمد _ صلى الله عليه وسلم _ زوج لخديجة _ رضى الله عنها _ !!
وذلك بعد أن تقدم لها سادات قريش , فكان الاباء عليهم هو الجواب .
ثم لما رأت ما رأت بعد تلك التجارة المباركة : عزمت على نية أفصحتها
لصديقتها : نفيسة بنت منبه . فقامت بدورها بذكر ذلك للنبى صلى الله عليه وسلم .
فرضى بذلك, الا أن والد خديجة حاول عبثا الوقوف أمام هذا الزواج الميمون ,الا أن
حيلة خديجة كانت حكما قاضيا فى الموضوع و فما الذى فعلته خديجة ؟
يروى لنا ابن عباس رضى الله عنهما ذلك فيقول :
" ان رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر خديجة _ وكان أبوها يرغب عن أن يزوجه
فصنعت طعاما وشرابا , فدعت أبوها وزمرا من قريش , فطمعوا وشربوا حتى ثملوا .
فقالت خديجة لأبيها : ان محمدا بن عبد الله يخطبنى فزوجنى اياه . فزوجها اياه .
فخلقته والبسته حلة_ وكذلك كانوا يفعلون بالآباء _ , فلما سرى عنه سكره , نظر فاذا مخلق وعليه حلة , فقال : ما شأنى بهذا ؟ قالت خديجة : زوجتنى محمد بن عبد الله .
قال : أزوج يتيم أبى طالب !؟ لا لعمرى .
فقالت : أما تستحى ؟! تريد أن تسفه نفسك عند قريش , تخبر الناس أنك كنت سكران !! فلم نزل به رضى " .
ويتزوج الشريف الشريفة , وتمر الأيام والأعوام على ذلك البيت الهادىء الجميل ,
ويرزق منها بالبنين , والنبى الكريم يكرم الضيف , ويعين الملهوف , وينصر المظلوم, ويكون فى حاجة أهله ..
ويجرف مكة سيل عرم وينحدر الى البيت فيصدع جدرانه حتى أوشك على الوقوع والانهيار , فاتفقت قبائل قريش على :
(16) اعادة بناء الكعبة :
وتبنى قريش الكعبة بشرط مسبوق : " ألا يدخل فى بنائها الا طيبا , فلا يدخل فيها مهر بغى , ولا بيع ربا , ولا مظلمة لأحد من الناس " .
ويشارك النبى الكريم صاحب الخمس وثلاثين عاما فى البناء , ويحمل الحجارة من الوادى مشاركا قومه فى مثل هذا الحدث العظيم .
ويرتفع البناء ويعود للبيت جلاله وهيبته , ولما بلغ البنيان موضع الحجر الأسود حصل الاختلاف , وتنازع القوم فى شرف وضع الحجر الأسود أربع ليال أو خمس حتى كادت الحال أن تتحول الى حرب ضروس !! الا أن أبا أمية بن المغيرة المخزومى عرض عليهم أن يحكموا فيما شجر بينهم أول داخل عليهم من باب المسجد .فارتضى القوم ذلك .
فاذا بمحمد بن عبد الله بن المطلب يكون ذلك الداخل .فهتف القوم : أن رضينا بالأمين .
فطلب عليه الصلاة والسلام رداء فوضع الحجر وسطه , وطلب من رؤساء القبائل المتنازعين أن يمسكوا جميعا بأطراف ذلك الرداء , وأمرهم أن يرفعوه , حتى اذا أوصلوه الى موضعه أخده بيده فوضعه فى مكانه . فرضى القوم بذلك , وانتهى نزاع كادت دمائه أن تصل الى الركب !!
وتمر الأيام ... وغربة النبى تزداد يوما بعد يوم , فوجوه يعرفها وأحوال ينكرها , كان ذا صمت طويل يزدان بالتأمل والنظر , لقد كانت تلك الفطرة التى جبل عليها تمنعه من أن ينحى لصنم , أو يهاب وثن .
فاعتزل القوم لما رأى من سفاهة أحلامها , وتفاهة عقولهم , فكان عليه الصلاة والسلام لا يحضر عيدا لوثن , ولا يشهد احتفالا عند صنم , ولا يحلف بالآيات ,
ولا يتقرب لعزى , ولا يشرب خمرا , ولا يأكل مذبوحا على نصب , فأبغض ذلك كله .
يقول مولاه زيد بن حارثة رضى الله عنه :
" ... فوالذى أكرمه وأنزل عليه الكتاب ما استلم صنما حتى أكرمه الله بالذى أكرمه وأنزل عليه " .
فكان عيه الصلاة والسلام موحدا على ملة ابراهيم الخليل عليه السلام .
لقد جمع الصادق الأمين من الأوصاف والشمائل ما جعلت محبته لا تقف عند البشر , بل تتعداه الى الحجر والشجر , يقول عليه الصلاة والسلام بعد أن أكرمه الله بالرسالة : ( انى لأعرف حجرا بمكة كان يسلم على قبل أن أبعث ) !! .
فصلوات ربى وسلامه عليه .
وتمر الأيام ... حتى بدأ طور جديد من حياته صلى الله عليه وسلم , فكان يرى الرؤية ثم لا يلبث حتى يراها واقعا مشهودا أمامه , فكان ذلك بداية بشرى النبوة والرسالة والاصطفاء , لتكون البداية الحقيقة فى الغار بــ
{ أقرأ باسم ربك الذى خلق } , وينادى المنادى فى أصقاع المعمورة : ان محمدا
قد بعث !!
فاذا عقارب السنين والأعوام قد دقت الأربعين !!
فصلوات ربى وسلامه عليه ...
تلك الأربعون _ لعمر الحق :- عراقة الخلال , فكيف بما بعد الأربعين , حين
بعث الى العالمين!!
{ وانك لعلى خلق عظيم } ..
صلوا عليه وسلموا تسليما
الاشتراك في:
التعليقات (Atom)










